5 جويلية 2026
في هذا اليوم نستحضر تضحيات الأجداد وتاريخ الجزائر النضالي، ونسأل الله الرحمة للشهداء وحفظ الوطن.

الرئيسيةمنبر الوعيتعرف علينااقترح مبادرةتواصل معنا

لماذا ندعم القضية الفلسطينية؟

من الغريب طرح هذا السؤال في هذا الوقت الذي صارت فيه القضية عنوانًا لكل حرّ في العالم. إن مساندتنا لهذه القضية تأتي من أبعاد مركبة من الفطرة حتى الدين.

مصطفى بوشن |21/07/2026
شارك المعرفة

طرح هذا السؤال الآن أمرٌ غريب، كون هذه القضية صارت شعارًا لكلّ حرٍّ من مشارق الأرض إلى مغاربها، لكن الأغرب أن ثمة من لا يزال يطرح هذا التساؤل باستغراب، ويعترض بأن الأقربين أولى بالمعروف، أو بمقولاتٍ وطنيّةٍ زائفة. يناصر القضية اليوم المسلم والمسيحي والملحد وحتى اليهودي، ويناصرها الإفريقي الذي تعرض للاستعمار كما يناصرها أبناء الدول الأوروبية الاستعمارية أمس، بل صارت قضيةً مهمة في الانتخابات الأمريكية لارتباطها بمسألة النفوذ الصهيوني في دواليب السلطة. كما أنها صارت في أقصى الشرق قضية مهمةً لدرجة تأسيس حزبٍ وطني في نيوزلندا عنوانه العريض "Free Palestine". يقال أن "توضيح الواضحات من الفاضحات" لكن إن كان الأمر يستلزم فضيحةً فلتكن.

مناصرتنا للقضية الفلسطينيّة ناتجةٌ عن تكاثف عددٍ من الدوافع من مختلف الأبعاد.

نصرة المظلوم

أول بعدٍ هو كونها قضية ظلم. شاهدنا عبر سنين طويلةٍ ظلمًا بالغًا يتمثّل في حصار خانق على الغزاويّين، حصار يُقتل من يتحداه، إذ قتل في أسطول الحرية سنة 2008م 10 ناشطين سلميين، ثم رأينا على مدار السنين حروبًا متعدّدة شكّلت وعينا منذ الصغر، وخلال الألف يومٍ الماضية شاهدنا فظاعةً غير معهودة، وظلمًا بالغًا، وتفنّنًا في القتل، تارةً بإطلاق عشوائي للرصاص على الخيام، وأحيانًا بقصف المستشفيات، ومراتٍ باستهداف تجمعات الجائعين وهم يحاولون الحصول على الدقيق، كما استعملوا التجويع سلاحًا ضد الأطفال.

كونها ظلم عالمي

في التاريخ الإنساني الحديث كان الإنسان يسمع عن الحروب من خلال أخبار مقتضبة في التلفزيون أو الإذاعة، وتنفجر الأوضاع حين تتسرب صورة مؤثرة إلى الإعلام، التقطها صحفيٌّ مغامر أو سرّبها جنديٌّ لتصفية الحسابات، لكن في زمننا الحالي صرنا نرى الإبادة في شاشاتنا الصغيرة التي نحملها معنا حيثما حللنا وارتحلنا، منذ فتحنا لأعيننا صباحًا، حتى استلقائنا على السرير ليلًا، نراها من منظور المظلومين، نرى المعاناة اليوميّة للنّازحين، حتى إن حاول بعض صناع المحتوى الغزاويين إضفاء طابع ساخر عليها، ونرى أيضًا اللحظات التي تلي القصف، نرى صرخات الأمهات المكلومات، ونرى ثباتهن أيضًا، ونرى تلك الأشلاء وهي تلطخ الجدران. كما نرى من منظور الظالم، في البثوث المباشرة على التيكتوك لجنود الاحتلال وهم يتلذّذون بتفجير المباني السكنية، وفي صور الإنستجرام لجندي يهدي العملية لخطيبته وهلمّ جرًّا. لم تعرف الإنسانيّة ظلمًا صارخًا مبثوثًا على المباشر مثل هذه الحرب على شعب غزّة، ما جعل تأثيرها عابرًا للقارّات والثقافات والأعراق والديانات، لم يبق إنسان ذا ضميرٍ إلا وامتلأ قلبه أسًى وحسرةً وغيظًا، فتحركت الجماهير من أقصى جنوب شرق العالم بأستراليا إلى أقصى غربه بالجامعات الأمريكية، مرورًا بالشعوب الآسيوية المسلمة منها وغير المسلمة ثم الشعوب الإفريقية والأوروبية.

ورغم كل هذا التغوّل في الظلم، فإننا نجد دولًا كبرى تغذي فيه، بدءًا من الولايات المتحدة الأمريكية التي ما قصّرت يومًا في إمداد الكيان الصهيوني بمختلف أنواع الدعم، بدءًا بالمال والسلاح، وصولًا إلى الدعم الدبلوماسي والسياسي. فأما المال والسلاح ففي الموازنة الأمريكية السنوية بندًا ثابتًا يتعلق بتقديم الأسلحة والمنح المالية لكيان الاحتلال، كما أن كيان الاحتلال وجهة مفضّلة للاستثمار للشركات الأمريكية، وتسهّل لهم الشراكات في الجامعات، وكل ما يتعلق بالتكنولوجيا العسكرية وصناعة الأسلحة. أما الدعم الدبلوماسي والسياسي، فلا أبلغ من تصويت الولايات المتحدة 7 مرات منذ أكتوبر 2023م لصالح الكيان الصهيوني ضد مشاريع وقف إطلاق نار أو مشاريع إدانة للهجوم على المدنيين! وحتى في أحلك اللحظات الدبلوماسية للكيان الصهيوني حين هاجمته جميع الدول -بما فيها الدول الأوروبية الداعمة للصهيونية في الأساس- نجد الولايات المتحدة تقف كحليفٍ لا يُساوم، ورغم شهودنا لتصدعات في الموقف الأمريكي مؤخّرًا، إلا أن التوجه العام لم يتغير حتى الآن.

مقاومة الاحتلال

ثالث بعدٍ كونها قضية احتلال. الجزائري يرث من تاريخه كبرياء المجاهدين وكرامة الشهداء، كما يرث عنهم رفض الاحتلال ورفض الرضوخ، يرث عنهم التحدي ومقارعة المستعمر مهما طالت إقامته. لَبِث الاستعمارُ الفرنسيُّ أكثر من مئة سنةٍ في أرض الجزائر، وكان يعتقد جازمًا بأن بقاءه في هذه الأرض دائم، فتجده يشيد المباني ويتطاول في تشييدها، وكان يعتقد أن أمر الأهالي قد انتهى، ولم يعد لهم خيارٌ إلا القبول بالعيش كمواطنين من الدرجة الثانية، إلا أنه أوتي من حيث لم يدرِ يوم الفاتح من نوفمبر بثلة من 1200 مجاهد، لا يملكون إلا 400 قطعة سلاح. حاول الاحتلال جهده في استئصال هذه الفئة وتجفيف منابع تمويلها ومصادر حصولها على الأسلحة، إلا أنّ الثورة ما خفتت يومًا إلا وعادت أقوى حتى طردت المحتل وأرجعته إلى أرضه بعد سبع سنين من الجهاد المضني، ومليون ونصف مليون شهيد. نستلهم من تاريخنا أن ليل الاستعمار مهما طال سيعقبه فجر الحرية، ما دامت الحناجر تهتف باسم المقاومة، وما دامت عيون القلوب ترفض أن ترى الاحتلال قدرًا أبديًّا.

كونهم إخواننا المسلمون

المسلم يناصر الحق في أيٍّ مكان كانٍ، ويقف ضد الظالم مهما كان، وذلك يكون أوكد حين يكون المظلوم أخوه المسلم، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "المُؤْمِنَ للمؤمنِ كالبُنْيانِ يشدُّ بَعضُهُ بعضًا"، وهذا في سائر أحوال المؤمن، مهما كان نوع الظلم، فكيف إن كان الظلم احتلالًا مستمرًّا منذ القرن الماضي، ويكون الظالم عدوًّا لله سابًّا لرسوله، وكانت أمم الكفر تتداعى عليهم من الشرق والغرب. يقول الله عزّ وجل موجبًا على أمته نصرة بعضهم بعضًا: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال 72].

وقد رأينا بطولات المجاهدين في غزة وهم يقدمون أرواحهم في سبيل الله، ويقتربون من دبابةٍ مدجّجةٍ بكل وسائل المراقبة، ترعاهم عين الله، فيلقون عبوة شواظ تفجّرها وتحرق من بداخلها. فلا أقل من الانحياز إليهم والركون في صفهم، خلافتهم في أهلهم بخير، فلم يطلبوا منّا سلاحًا ولا تحريكًا للجيوش، وإنما طلبوا منّا أن نكفي أهلهم مؤونة الأكل والشرب وأمور الحياة اليومية.

كونهم المدافعين عن الأقصى

بالإضافة إلى الأبعاد السابقة جميعًا، نجد أن القضية الفلسطينية تكتسي بعدًا مقدّسًا آخر، فخلاف كونهم مسلمين، وأن أرضهم أرض إسلام لا يجوز التخلي عنها، فإنها مرتبطة بالمسجد الأقصى، أولى القبلتين، وثاني مسجدٍ وضع في الأرض، وثالث المساجد التي يشدّ الرحال إليها، ومسرى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأجر الصلاة فيه مضاعف 500 ضعفٍ، وقد أخبرنا المولى عزّ وجل أنها أرض مباركة. فهذا كله يشير إلى عظيم مكانة هذا المسجد، وبقدر عظمة مكانته يكون واجب الدفاع عنه واستخلاصه من مغتصبيه، ممن يخططون لهدمه، وقد ثبت أنه لم يبق مدافعٌ عنه إلا المرابطين في أكنافه، بدءًا بالمناضلين الذين يسعون قدر المستطاع ألا يسمحوا للجماعات الصهيونية المتطرفة بالاستفراد بالأقصى وتطبيق خطط تهويده ثم تهديمه، وصولًا إلى الثلة الصامدة من مجاهدي غزة، الذين شنّوا الحرب لأجل الأقصى ودفعوا أرواحهم فداءً له. فإن عجزنا عن الدفاع عن الأقصى فلا نعجز عن التضامن مع المدافعين عنه.

كونه احتلالا يعادينا جميعا

هذا الاحتلال لا يضع في دستوره حدودًا، وهو مستعدٌّ دومًا للتوسّع شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا متى ما أتيحت له الفرصة، فرأينا كيف استولى على أراضي الجولان رغم الاتفاقات مع النظام السوري السابق، ورأينا كيف أنه صار يتحدث عن أراضي ما قبل الليطاني وكأنها أراضي خالصة له، كما رأينا خططه لما يسمى بإسرائيل الكبرى، واعتراف السفير الأمريكي لدى الاحتلال بأن لإسرائيل الحق في الشرق الأوسط جميعه. كما رأينا أن هذا الاحتلال لا يكفّ عن التآمر ضدّنا في المحافل الدولية والمحافل الإفريقية، ورأينا شراكاته الاستخباراتية والعسكرية ضد الدول المطبعة، فهو لا يجد فراغًا إلا وملأه، ولا يجد سبيلًا للتآمر إلّا وسلكه.

خاتمة

فنحن إذن ندعم القضية الفلسطينية لأن ذلك مقتضى الفطرة السليمة: أن نسند المظلوم ونعادي الاحتلال ونسعى لإزالته، وذلك مقتضى العقيدة المرتبطة بالوحي الشريف: أن ننصر المسلمين ونركن للمجاهدين ونترك سبيل المخذلين والمنافقين.

تابع القراءة